أبي منصور الماتريدي

353

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

قيل : إن الذمي إذا اجتمع عليه الجزية سنتين ، فصار إلى حال لا يجوز أن يلزم في الابتداء في مثلها أكثر من اثني عشر درهما لفقره - لم يجز أن يلزم أكثر منها ؛ لأنه جعل حكم مستدبر الجزية التي وجبت ، فأسلم « 1 » صاحبها حكم الابتداء في توظيف الجزية عليه ، فوجب أن يجعل حكم مستدبر من أتت عليه سنتان حكم ابتدائه ، وأصله أن الجزية إنما جعلت لحقن الدم ، فإذا مضت سنة ، صار دمه محقونا في السنة الماضية ؛ لذلك لم تؤخذ . وقوله : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ . . . إلى آخره . تضمنت هذه الآية أحكاما : منها الأمر بقتال من لم يؤمن بالله واليوم الآخر ، وهم يقرون بالأمرين ، لكنه يخرج على وجوه ثلاثة : أحدها : أنهم مشبهة من تشبيههم الله بخلقه احتمل قولهم القول له بالولد ؛ إذ الذين شهدوا من الخلائق على ذلك وجدوا بولد بعض من بعض ، وإذا كان كذلك فهو غير مؤمن - في الحقيقة - بالله الذي هو الحق حتى يؤمنوا به ، وأنه به تكون الآخرة دون الذي ادعوه . والثاني : أن الذي جبل عليه الخلق هو تعظيم رسل الملوك وأجلتهم حتى يوجد من بر الرسل بين ملوك قد ظهرت بينهم العداوة ، فلما كذبوا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم مع البراهين التي قد أعجزت الخلائق ، وشهادة كتبهم به ، وتظاهر من عرفوا أنهم يكذبون بكتبهم وبرسلهم على من صدق بذلك - ثبت أنهم في الحقيقة مكذبون جميع الرسل والكتب وإن أظهروا الوفاق ، وأن ذلك لا يكون إلا لتكذيب « 2 » منهم بالله ؛ فعلى ذلك إيمانهم بالله يكون بإيمانهم بالرسل ، وعلى ذلك روي عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في وفد عبد قيس أنه قال : « آمر بأربع : آمركم بالإيمان بالله » ، ثم قال : « أتدرون ما الإيمان بالله ؟ أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله » « 3 » ؛ فلذلك لم يكن إيمانهم بالله إيمانا حتى يؤمنوا برسول الله ، وعلى هذا يحاربون . والثالث : أن يكون نفى عنهم الإيمان بنفي منفعة الإيمان عنهم ؛ إذ أقل المنفعة به الإيمان برسله ، والقبول عنهم بالتعظيم ، فإذا ظهرت منهم هذه المنفعة تركوا القتال .

--> ( 1 ) في أ : فحكم . ( 2 ) في أ : التكذيب . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 1 / 176 ) كتاب الإيمان باب أداء الخمس من الإيمان ( 53 ) وأطرافه في ( 87 ، 523 ، 1398 ، 3095 ، 3510 ، 4368 ، 4269 ، 6176 ، 7266 ، 7556 ) ، ومسلم ( 1 / 46 - 48 ) في كتاب الإيمان باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ( 23 / 17 ) وأحمد في المسند ( 1 / 228 ) .